الثلاثاء، 3 يناير 2012

المراهقة ومشاكلها

...مشاكل المراهقة...

يقول الدكتور عبد الرحمن العيسوي: "إن المراهقة تختلف من فرد إلى آخر، ومن بيئة جغرافية إلى أخرى، ومن سلالة إلى أخرى، كذلك تختلف باختلاف الأنماط الحضارية التي يتربى في وسطها المراهق، فهي في المجتمع البدائي تختلف عنها في المجتمع المتحضر، وكذلك تختلف في مجتمع المدينة عنها في المجتمع الريفي، كما تختلف من المجتمع المتزمت الذي يفرض كثيراً من القيود والأغلال على نشاط المراهق، عنها في المجتمع الحر الذي يتيح للمراهق فرص العمل والنشاط، وفرص إشباع الحاجات والدوافع المختلفة.
كذلك فإن مرحلة المراهقة ليست مستقلة بذاتها استقلالاً تاماً، وإنما هي تتأثر بما مر به الطفل من خبرات في المرحلة السابقة، والنمو عملية مستمرة ومتصلة".
ولأن النمو الجنسي الذي يحدث في المراهقة ليس من شأنه أن يؤدي بالضرورة إلى حدوث أزمات للمراهقين، فقد دلت التجارب على أن النظم الاجتماعية الحديثة التي يعيش فيها المراهق هي المسؤولة عن حدوث أزمة المراهقة، فمشاكل المراهقة في المجتمعات الغربية أكثر بكثير من نظيرتها في المجتمعات العربية والإسلامية،
وهناك أشكال مختلفة للمراهقة، منها:
1- مراهقة سوية خالية من المشكلات والصعوبات.
2- مراهقة انسحابية، حيث ينسحب المراهق من مجتمع الأسرة، ومن مجتمع الأقران، ويفضل الانعزال والانفراد بنفسه، حيث يتأمل ذاته ومشكلاته.
3- مراهقة عدوانية، حيث يتسم سلوك المراهق فيها بالعدوان على نفسه وعلى غيره من الناس والأشياء.

والصراع لدى المراهق ينشأ من التغيرات البيولوجية، الجسدية والنفسية التي تطرأ عليه في هذه المرحلة، فجسدياً يشعر بنمو سريع في أعضاء جسمه قد يسبب له قلقاً وإرباكاً، وينتج عنه إحساسه بالخمول والكسل والتراخي، كذلك تؤدي سرعة النمو إلى جعل المهارات الحركية عند المراهق غير دقيقة، وقد يعتري المراهق حالات من اليأس والحزن والألم التي لا يعرف لها سبباً، ونفسيا يبدأ بالتحرر من سلطة الوالدين ليشعر بالاستقلالية والاعتماد على النفس، وبناء المسؤولية الاجتماعية، وهو في الوقت نفسه لا يستطيع أن يبتعد عن الوالدين؛ لأنهم مصدر الأمن والطمأنينة ومنبع الجانب المادي لديه، وهذا التعارض بين الحاجة إلى الاستقلال والتحرر والحاجة إلى الاعتماد على الوالدين، وعدم فهم الأهل لطبيعة المرحلة وكيفية التعامل مع سلوكيات المراهق، وهذه التغيرات تجعل المراهق طريد مجتمع الكبار والصغار، إذا تصرف كطفل سخر منه الكبار، وإذا تصرف كرجل انتقده الرجال، مما يؤدي إلى خلخلة التوازن النفسي للمراهق، ويزيد من حدة المرحلة ومشاكلها.
وفي بحث ميداني ولقاءات متعددة مع بعض المراهقين وآبائهم، أجرته الباحثة عزة تهامي مهدي (الحاصلة على الماجستير في مجال الإرشاد النفسي) تبين أن أهم ما يعاني الآباء منه خلال هذه المرحلة مع أبنائهم:

* الخوف الزائد على الأبناء من أصدقاء السوء.
* عدم قدرتهم على التميز بين الخطأ والصواب باعتبارهم قليلو الخبرة في الحياة ومتهورون.
* أنهم متمردون ويرفضون أي نوع من الوصايا أو حتى النصح.
* أنهم يطالبون بمزيد من الحرية والاستقلال.
* أنهم يعيشون في عالمهم الخاص، ويحاولون الانفصال عن الآباء بشتى الطرق.

* أبرز المشكلات والتحديات السلوكية في حياة المراهق:

1- الصراع الداخلي:
حيث يعاني المراهق من جود عدة صراعات داخلية، ومنها: صراع بين الاستقلال عن الأسرة والاعتماد عليها، وصراع بين مخلفات الطفولة ومتطلبات الرجولة والأنوثة، وصراع بين طموحات المراهق الزائدة وبين تقصيره الواضح في التزاماته، وصراع بين غرائزه الداخلية وبين التقاليد الاجتماعية، والصراع الديني بين ما تعلمه من شعائر ومبادئ ومسلمات وهو صغير وبين تفكيره الناقد الجديد وفلسفته الخاصة للحياة، وصراعه الثقافي بين جيله الذي يعيش فيه بما له من آراء وأفكار والجيل السابق.

2- الاغتراب والتمرد:
فالمراهق يشكو من أن والديه لا يفهمانه، ولذلك يحاول الانسلاخ عن مواقف وثوابت ورغبات الوالدين كوسيلة لتأكيد وإثبات تفرده وتمايزه، وهذا يستلزم معارضة سلطة الأهل؛ لأنه يعد أي سلطة فوقية أو أي توجيه إنما هو استخفاف لا يطاق بقدراته العقلية التي أصبحت موازية جوهرياً لقدرات الراشد، واستهانة بالروح النقدية المتيقظة لديه، والتي تدفعه إلى تمحيص الأمور كافة، وفقا لمقاييس المنطق، وبالتالي تظهر لديه سلوكيات التمرد والمكابرة والعناد والتعصب والعدوانية.

3- الخجل والانطواء:
فالتدليل الزائد والقسوة الزائدة يؤديان إلى شعور المراهق بالاعتماد على الآخرين في حل مشكلاته، لكن طبيعة المرحلة تتطلب منه أن يستقل عن الأسرة ويعتمد على نفسه، فتزداد حدة الصراع لديه، ويلجأ إلى الانسحاب من العالم الاجتماعي والانطواء والخجل.

4- السلوك المزعج:
والذي يسببه رغبة المراهق في تحقيق مقاصده الخاصة دون اعتبار للمصلحة العامة، وبالتالي قد يصرخ، يشتم، يسرق، يركل الصغار ويتصارع مع الكبار، يتلف الممتلكات، يجادل في أمور تافهة، يتورط في المشاكل، يخرق حق الاستئذان، ولا يهتم بمشاعر غيره.

5- العصبية وحدة الطباع:
فالمراهق يتصرف من خلال عصبيته وعناده، يريد أن يحقق مطالبه بالقوة والعنف الزائد، ويكون متوتراً بشكل يسبب إزعاجاً كبيراً للمحيطين به.
وتجدر الإشارة إلى أن كثيراًَ من الدراسات العلمية تشير إلى وجود علاقة قوية بين وظيفة الهرمونات الجنسية والتفاعل العاطفي عند المراهقين، بمعنى أن المستويات الهرمونية المرتفعة خلال هذه المرحلة تؤدي إلى تفاعلات مزاجية كبيرة على شكل غضب وإثارة وحدة طبع عند الذكور، وغضب واكتئاب عند الإناث.

الخميس، 8 ديسمبر 2011

من أوراق المراهقة بقلم الأستاذة سلوى ياسين


 لا أظن أن كتب علم النفس والتحليلات العلمية الكثيرة التي خصصت لتفسير مرحلة المراهقة قادرة وحدها على جعلنا أكثر تفهما لسلوك المراهقين، أو قد تكون مقنعة بالقدر الذي قد يجعل الآباء والمربين يتحملون المزاج الصعب والمتقلب للمراهقين والمراهقات؛ فأحسن طريقة لجعل مواقفنا تجاههم أكثر ليونة، في نظري، هي أن نحضر صورا لنا في نفس ذلك العمر ونتفحصها، ذلك أننا سنفاجأ حتما بالطريقة الغريبة التي كنا نختار بها ألوان وأشكال ما نلبسه؛ كما يمكن أن نلقي نظرة على ما كانت تخطه أناملنا على صفحات كتاب المذكرات أو ما كنا نرسمه ونلصقه على الجدران.. لنكتشف أننا لا نختلف كثيرا عن هؤلاء المراهقين المعاصرين الذين ننتقدهم اليوم باستمرار.
 شخصيا، حين أجد نفسي غير قادرة على فهم نفسية وتصرفات المراهقين وشعورهم المبالغ فيه بألا أحد يفهمهم، أعيد قراءة ما كتبته في ذلك العمر الحائر، لأكتشف أن اضطرابي المراهق كان مفضوحا في تلك النصوص، حيث الكلمات تتوالى وتصطدم بأخرى على نحو مبهر ومثير للضحك والاستغراب.. تلك الكتابات، التي كنت متأكدة حينها أنها قصائد شعرية، كان فيها من القلق النفسي أكثر مما كان فيها من الشعر، لكنني مع ذلك لم أكن أتقبل أن يقرأها أحدهم ويقول إنها مجرد خواطر بسيطة فاض بها القلب في لحظة من لحظات ذلك العمر القلق، حيث كنت أرى بدوري أن آراءهم حولها ليست سوى مؤامرات يعرقلون بواسطتها حلمي في التحليق الأدبي والشعري.
وإذا كان من الرائج أن لا شيء في تصرفاتنا يفلت من التسرع والاندفاع في فترة المراهقة، فيبدو أنني قد ركبت مخاطر القصيدة دون تروٍّ أو تخطيط مسبق، وتسلقت القوافي بسرعة وتهور مثلما يحسن المراهقون صعود سلالم ذات عشرين درجة في خمس أو ست خطوات. ولأن المراهقة هي أفضل وقت لارتكاب الأخطاء، فقد كانت أبرز زلاتي في ذلك العمر هي تسرعي في نشر أولى نصوصي النثرية والشعرية، أو بالأحرى ما كنت أظنه في الرابعة عشرة من العمر نثرا وشعرا. وكان خطئي الأكبر أنني أرسلت نصوصي تلك إلى إحدى المجلات الأدبية المرموقة التي لا تنشر سوى لكبار الشعراء والنقاد،  دون أن أعرضها على أحد كي يصححها أو يبدي رأيا حولها.. وقد كان كل همي أن أمنح نفسي لذة التباهي بأن اسمي يمكن أن يكتب على صفحات المجلات.
وأستطيع اليوم أن أتخيل أن أحد المسؤولين عن التحرير في تلك المجلة الأدبية قد قرأ ما كتبته، وربما أسلم نفسه لنوبة من الضحك، مثلما أفعل أنا نفسي حين أقرؤها اليوم؛ ويمكن أن أخمن أنه قد أحالها على المهملات دون تردد، في وقت كنت أنتظر فيه بشوق أن يتم نشرها، وأحلم بالمجد الذي سأجنيه بين أسرتي وأصدقائي حين سيرون كيف أنني أمسك بناصية الشعر في سن صغيرة.
لكن بالرغم من أن الناس يرون أن كتابات المراهقة لم تكن ناضجة بما يكفي، بسبب غموضها وبدائيتها، وأنها غالبا ما تشبه منمنمة شرقية كثيرة الزخرف والتعقيد، فإنها -على ما يبدو- تكشف بوضوح عن قدرة المراهقين التخيلية المثيرة، وتنم عن قدرتهم الذهنية الرائعة على اكتشاف وتجريب المعاني العذراء للحياة. وكل مرة نقرؤها نرى أنها محاولات جريئة وتعلوها في نفس الوقت حمرة خجل المراهقين. وهي، في النهاية، كتابات لا يمكن أن يُؤتى مثلها إلا في ذلك العمر الجميل والحالم الذي لم تتلوث فيه بعد الصور والرموز في مخيلتنا الفتية.

الخميس، 18 فبراير 2010

الإنهيارات الدّاخليّة وتأثيراتها المستقبلية على البنيات التّحتية للنّفس البشرية ...؟؟

نستهلّ على بركة اللّه هذه المكاشفات بظاهرة (ولا أقول مشكلة ) أكثر شيوعا وأكثر حضورا، وأعمق تأثيرا، في المشهد الشّبابي في مرحلتي المراهقة والشّباب ، وقد لا يستطيع شابّ أو فتاة أن يدّعي أنّه لم يعش في إحدى هاتين المرحلتين عاصفة أو بالأحرى عواصف عاطفيّة غيّرت من مجرى تصوّره أو تصوّراته- ككلّ- لمعنى الحياة... لكن الّذي يختلف بالكاد هو كيف يتصرف الشّاب أو كيف تتصرّف الفتاة للخروج من أزمته أو أزمتها إذا كان أصلا يتصوّر أوكانت تتصوّرأنّ هناك أزمة .. فالغالب أنّ أكثر الشّباب يستيقظون فجأة منهارين مصدومين، بعد تجربة لم يَسُقــْهُم إليها أحد كارهين ، وإنّما انساقوْا بفعل مؤثّرات خارجية ، عرضت سهواً أو عمدا ً في الواجهة الأمامية للموضوع المنجذب إليه دون معرفة مسبّقة بكيفية التّعامل مع الآخر سواء انطباعاته الخارجية أو الداخلية ، يستيقظ هؤلاء الشّباب بانطباع أنّهم مخدوعون من طرف الموضوع (صاحب التّأثير أو المنجذب إليه وقد يكون الموضوع فكرة أو إيديولوجيا أوبشرا أنثاه أوذكره ) ولكنّهم في الحقيقة ، لا يملكون أيّ قوّة ذاتية لمقاومة سحروجاذبية المندفع إليه بفعل هشاشة المناعة الذّاتية : الفكرية ،التربوية ،التّقديرية ( تقدير أبعاد المرحلة )؛وقد يكون ذلك ناتجا عن قلّة خبرة العقل الشّبابي في توظيف المفاهيم ومبادئ المنطق الضّروريان لإضاءة أبعد نقطة ممكنة والّتي تحدّد شكل ، مستوى وقياس الخطوة الّتي يجب أن يتقدّم بها واثقا من نفسه...وهذا كلّه راجع إلى عنف اللّحظة وقوّة المؤثّرات وضعف البنيات التّحتية لتكوين الشّاب وخاصة الشباب الذين يستقرّ مؤشّر عمرهم مابين سنّ 16 عاما و18 عاما بالنّسبة للشّابّات ومابين 16 عاما و 22 بالنّسبة للشّباب ...
وقد يقول قائل إذا كان الكل معرّضا للتّجربة نفسها، في هذه المرحلة بالذّات، فلماذا نتحدّث عن ظاهرة أو مشكلة ، مادام أنّ الكل يدور في فلكها شاء أم أبى ( كالموت مثلا ُ) .؟ نعم هذا صحيح ، ولكن نتحدّث هنا عن الظّاهرة في شكلها الشّاذ أي عندما تكون التّجربة مدمّرة ، تمتدّ نتائجها إلى ما بعد مرحلة الشّباب وأكثر، ذلك أنّ بعض التجارب القاسية عادة ما تمّحي بمجرّد ما يصل المراهق مشارف مرحلة النّضوج والرّشد العقلي ، والخطيرة هي الّتي تمتدّ جذورها أبعد من المتوقّع وتداعياتها أبعد من مرحلة الشّباب وربما أكثر من ذلك مشارف الكهولة والشّيخوخة ، والحاسمة : هي حين يضطرّ بعض الشّباب - بفعل ضغوط تراكمت بالتّدريج - إلى تغيير مسار حياتهم جذريا ، أو: وهو أخطر: أن يرتدّ إلى اختيارات عادة ما ترتكز على أوهام التّخلّص من أعباء المسؤوليات والواجبات الضّرورية لسيرورة الحياة ، والهروب السّلبي منها ؛ مثلا : الانزواء والوحدانية والتّماهي مع لعبة النّسيان بوسائل أكثر فتكا ًبالجسم والعقل معا ، كالمخدّرات، وإدمان الهوايات المدمّرة الّتي لا طائل منها ، ولكنّ الأخطر والمفزع وهو الذّهاب إلى أبعد من ذلك : المرحلة النّهائية حين يكون الشّاب محاصرا من كلّ الجهات وبكلّ التّناقضات وبطوفان من الأسئلة الّتي لا يتمكّن من الإجابة عنها فلا يستطيع أن يفكّر في حلّ آخر ممكن أومتاح ( وهو في هذه الحالة مستحيل لانعدام بعد النّظر ) غير أن يجعل حدّاً لحياته بأشكال وطرق متنوّعة القديم منها والمستحدث كحلّ أخير لمعضلة لم يستطع الخروج منها ..
نعم للأسف ما تزال ماكينة الانتحار تحصد الآلاف بل الملايين من الشّباب الفتيان منهم والفتيات .. والأرقام الّتي ترد من لدن جهات مختصّة مهولة جدّاً والأسباب معظمها أو كلّها ترتبط أصلا ًبانهيارات جزئية أو كلّية تطال الصّرح الدّاخلي وتخرّب إمكانات المقاومة ضدّ اليأس وانهيار صروح الثّقة بالنّفس والاعتزاز بالقدرات الذّاتية ، أياًّ كانت هذه القدرات الّتي لا تخلو منها أيّ نفس حتّى في أظلم وأحلك اللّحظات الّتي يتّفق أن تكون هذه النّفس تعيش فيها أضعف من أن تقاوم مشكلة صغيرة أوأن تواجه تحدّيا صغيرا كأن تتعرّض هذه النّفس للسّبّ في الشّارع أمام الملأ في سبيل المثال لا الحصر أو أن تتعرّض لإستفزاز مقصود من طرف شبّان متهوّرين نيّتهم أن يقيسوا درجة ردّ فعل شخص مارّ أمامهم..
وفي نظري يصعب الإحاطة بكلّ الأسباب الّتي تنتهي بالشّباب إلى تغيير نظرتهم للحياة سلباً سواء بشكل أكثر دراماتيكي كالإنتحار أو الإنعزال والذّوبان الكلّي في نظرة سوداويّة تنتج أحيانا شخصيّة عدمية ،إنتقامية ، ضدّ الكل ، وهؤلاء هم الأخطر على السّلم الشّخصي والسّلم المجتمعي الّذي يعيشون تحت ظلاله وقد يشكّلون خطرا على سلامة الإنسان ككائن بشري وحتّى على ما يسمّى بالسّلم العالمي ..وهذا واضح وجليّ في ما نراه من عنف سواء بدافع إيديولوجي ، أودافع إقتصادي نفعي في مستوى العالم أجمع ، وهذا العنف أبطاله الشّباب على العموم هم المنهزمون كرها في حياتهم بجملة من الأسباب سنورد بعظا ًمنها ما أمكننا ذلك إن شاء اللّه . فالموضوع شائك ومتشعّبة مداخله ومربكة تساؤلاته ومظلمة أزقّته لكن سأحاول قد المستطاع الذّهاب بعيدا متسلّحا بتجربة حيّة شخصيّة وأخرى لآخرين قريبين ومتسلّحا كذلك بالرّغبة المتّقدة في دواخلي لعقدين مضوا في وضع النّقاط على الحروف لإشكالية وإشكاليات يعيشها الشّباب النّامي .. تفاديا لإعادة استنساخ تجارب فاشلة لأجيال سابقة ؛ أو إضاءة بعض المواضع والتّساؤلات الجديدة التي تطرح كتحدٍّ يواجه الأجيال الآنية والآتية وكلّ هذا بأسلوب تحاوري سهل ومباشر وصريح مستندا إلى دعامة دينية معروفة : لا حياء في الدّين ..
لاحياء في أشياء لايمكن أن نجد حلاّ لها إلاّ إذا كنّا حريصين على التّحدّث فيها علنا بهدف إيجاد مخرج لها أو منها وسنتناول كل ّشيء يمسّ شخصيتنا بوضوح وبدون تحفّظ متجاوزين الطوبّوهات ما أمكننا ذلك :
بالنّسبة للشّباب :
هجرني حبيبي
أحبّها لكنّني فقير
- هجرتني إلى آخر دون مبرّر و دون سبب
- أنا لست جميلة كفاية كي أحظى بحبيب ملائم
- لماذا يعاكسني الكلّ ولا أحظى بواحد منهم يتفهّم عواطفي؟
- صديقتي سرقت منّي حبيبي ..
- حبيبي يطلب منّي أن أناوله شرفي كاختبار لصدق حبّي له ُ
- كيف أتخلّص من هذا الحبّ رغم أنّ حبيبي يريد الإقتران بي طمعا في مال أبي ؟
- كيف أتخلّص من حبّي الجارف لأستاذي الّذي لديه أطفال وزوجة ؟
- أستاذي يعاكسني ويشترط عليّ أن أناوله نفسي حتّى يمكّنني من علامات متميّزة تمكّنني بالتّالي من النّجاح ..
- أبي يرفض أن أحبّ أحدا ًغيره
- أمّي ترفض زواجي من كلّ من يدّق باب نيتنا حتّى أصبحت أناهز الأربعين ،والسّر في ذلك أنّها لاتتحمّل أن تراني متزوّجة وهي غير ذلك ( نشأت يتيمة الأب )
- إمرأة تحدّثت لي يوما عن رغبتها الجامحة في الإقتران برجل لا حاجة له إلى الأبناء وإنما فقط ...
- تلميذتي أساعدها في دروس الدّعم تحوم حولي ..
- حبيبي يطلب منّي أن ألتقط لجسدي صورا حيّة منافية للحشمة وأرسلها إليه عبر الإيميل ، يدّعي أنّه يريد أن يعرف كلّ شيء عن حبيبته قبل الزّواج....
- أنا فتاة غبية ....
- سكرتيرتي تتحرّش بي ...
إلخ.....
إلى غير ذلك من المواضع والتّساؤلات الّتي تعتمل في صدور الشّباب من كلا الجنسين .. والغريب في الأمر أنّ بعض الرّجال الأكبر سنّا لم يُستثنوا أبدا ًمن مشاكل كانوا يظنّون أنهم في مأمن من تداعياتها بعد اجتياز مرحلة المراهقة لكنّهم يجدون أنفسهم في مشاكل أكبر من مقاسهم .....
إذن مرحبا بكلّ من يريد أن يُغني هذه المحاور بعرض قضيّته أومشكلته على الملأ إذا شاء ؛ وفي هذه الحالة يمكن لأساتذة آخرين وباحثين أن يشاركوا في الحوار والمناقشة ؛ أمّا إذا شاءت ( أوشاء ) أن ننشر حلّها أو كيفية الخروج منها حسب تصوّرنا للأمور دون أن نشير إلى إسم الباعث أو المشارك فعليه أن يبعث بمشكلته أو قضيّته عبر هذه المدوّنة ...

لنبدأ من هنا .....!!!

عادة ما يكون النقد الصريح للذات ، والكشف الدّقيق أمام محكمة العقل لجميع اختلالات النّفس وتصدّعاتها ، ووضعها بأكبر جرأة ٍممكنة ٍأمام منظار إعادة ترتيب منطقية أو إدخال النّيّء منها إلى فرن بدرجة حرارة متوسّطة ؛ من أهمّ العوامل الّتي تجعل الشّباب يقفون على حافة تغيير مهمّ وواقعي وملموس قد يطال في الغالب معظم أساسات مخزونه من التّصوّرات الثّابت منها و المتأرجح ثمّ يمكن أن نضيف قطعاً المتحوّل كذلك.
والّذي دفعني إلى الإعتقاد بأنّ خطوة جريئة من قبيل الوقوف وجها لوجه أمام النّفس ومحاسبتها برفق زائد قد لا تكون له مضاعفات تذكر، خلافا لما هو معتقد بالجزم : أنّ التّرهيب والتّرغيب والتّأنيب وحمل النّفس على الإمتثال صاغرة لما مطلوب منها هما الوسائل الأكيدة النّتائج .. أقول ما دفعني إلى اعتقاد هذا : تجربتي الطّويلة واحتكاكي المباشر ببعض المشاكل وتداعياتها على النّفس البشريّة خاصّة وأنّني كنت سأسقط ضحيّة بعضا منها ، لولا أنّي استطعت ببعض الحيل الخبيثة- بنظر بعض المتشدّدين على الأخلاق العامّة_ أن ألتفّ على حالة من الإنهيار الأقصى، والتذمّر السّلبي ، ووضعٍ نفسيّ معقّد عادة ما يُفضي ببعض شابّاتنا خصوصا وشبابنا عُموما إلى امتثالهم صاغرين لحالات من الإكتئاب والتّوحّد والعدميّة، ستتأثّر حتماً مراحل عمرهم اللاّحقة بأعراض هذه الهزّات المخرّبة في أحسن الأحوال ..
وقد عاينت بعض الحالات المرضية الشّديدة الوقع على أصحابها وقد تأثّرت كثيراً لفشل- بعض أصدقاء مراحل شبابي- في عدم قدرتهم على تجاوز جلّ الأزمات النّفسية والتّي هي في أشدّ تجلّياتها لم تكن مبنية إلاّ على أوهام وتمثّلات قد يكون من السّهل تجاوزها لو وُجد في حينها من يهتمّ بفضح عورتها الّتي لم تكن مستورة أصلا ً.. والشّديد عليّ هي ظاهرة الإنتحار الّتي ذهب ضحيّتها ويذهب بشكل مطّرد أعداد من الشّباب ، وقد يكون من السّهولة بمكان جعل الّذي وضع حدّا لحياته منذ أزيد من 20 عاما أجدر الآن أن يعيش باعتزاز ،ولو اقتربنا من الضّحيّة القاتل قيد حياته وجعلناه يتراجع عمّا هو يتصوّر أنّه المخرج من أزمة هي وهم في الأساس، لكنّا كسبنا روحا عزيزة عند اللّه وحياة نحن نعتزّ أنّنا نعيشها فوق التّراب هي أغلى من أن نفقدها بمحض إرادتنا ...
وقد قدّر لي أن أواجه بعض الحالات لبعض أصدقائي الّذين مرّت بهم في مراحل الشّباب عواصف مدمّرة ، فكان لي شرف علاجها بعد أن إستعصت بوسائل الشّعودة والتّفقيه و(التّسبيب) والدّجل النّفساني حتّى أنّ بعضهم عرض نفسه على اختصاصيين نفسانيين فرجعوا بخفّي حنين ...
إذن أعزّائي هنا فسحة للمكاشفة وفسحة لقول كلّ شيء لا نستطيع البوح به لأحد إلاّ نحن بالطّبع فسوف نداعب تصدّعات نفوسنا برفق ونعالج بعض المشاكل الّتي قد تبدوا لنا بسيطة ولكن قد تتفاقم لاحقا حتّى تصبح الأمور عصيّة على التّحمّل . والعكس صحيح ..
وأنا أنزّه نفسي أن تكون نيّتي من هذه الفسحة تجارية أو ما شابه ذلك...
واللّه من وراء القصد ..